فن الإختلاف

خلافا للإعتقاد السائد، تُعْرَف الشعوب المتحضرة بأخلاق أسوء مواطنيها، وليس بأخلاق أفضل مواطنيها. عندما يبغضك شخص لأنك مسلم، او عربي او افريقي…الخ ومع ذلك عندما يكون سائرا امامك يفتح لك الباب لتدخل قبله، او يعطيك اولوية السير عندما يستطيع أن لايفعل، او يهب لنجدتك عندما تتعرض لحادث…الخ عندما يفعل كل هذا أو أي من هذا، مع انه يبغضك، فهذا يعود إلى التربية وإلى أدب الإختلاف. واذا نظرنا لأحد صفات أهل الكتاب في القرآن الكريم، سنجد قوله تعالى: “وَلَنْ تَرْضَىٰ عَنْكَ الْيَهُودُ وَلَا النَّصَارَىٰ حَتَّىٰ تَتَّبِعَ مِلَّتَهُمْ ” وهذا حكم أزلي ثابت محكم، الايمان به واجب بوجوب الايمان بالقرآن الكريم. لذلك، اذا لم يكن شخص راضي عنك، ومع ذلك يوفر لك الصحة والتعليم والسكن والامن والحياة الكريمة، لاتستطيع إلا ان تقف إحتراما له، وتتعلم درسا في فن التعامل مع من تختلف معه او لاترضى عن افعاله واقواله. وهذا من هو أسوأهم خلقا، من يكره ويبغض فمن المفترض ومن الأولى أن يسىء التعامل او القول و الفعل، فما بالنا بأحسنهم؟

واذا نظرنا في سيرة افضلنا واكرمنا واجودنا، صلى الله عليه وسلم، سنجد نماذج كثيرة في انه مرجع في فن الإختلاف وفن التعامل مع من اختلف معه.

  • “إذهبو فأنتم الطلقاء”
  • “اللهم طهر قلبه”
  • “بل أرجو أن يخرج الله من أصلابهم من يعبد الله وحده لا يشرك به شيئًا”
  • “فإني أقول لكم كما قال أخي يوسف صلى الله عليه وسلم: لَا تَثْرِيبَ عَلَيْكُمُ الْيَوْمَ يَغْفِرُ اللَّهُ لَكُمْ وَهُوَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِين”
  • “روي عن عبدِ اللهِ بنِ عمرِو بنِ العاصِ رضي اللهُ عنهما واصفًا النبي صلى الله عليه وسلم: (…ولا يَدفَعُ السيئةَ بالسيئةِ ، ولكن يعفو ويَصفَحُ)”

كلها مرويات عن الرسول صلى الله عليه وسلم في من إختلف معه، فرد الإسائه بالإحسان، ودفع باللتي هي أحسن حتى يعطينا درسا عمليا في فن التعامل والإختلاف. ولكن، مايحدث الان هو، ومن تجارب شخصية كثيرة، تجد مجتماعتنا الان ترى الإختلاف أنه تكبر، أو حسد، أو مخالفه…الخ. أخي الكريم، لو إستخدمت قليلا عقلك الذي حباك الله به، لعلمت أن من يرا نفسه أفضل منك، لن يدخل في نقاشات وحوارات معك، ولن يسمح لك أصلا بطرح رأيك. ولكن من يحاورك ويقول لك اختلف معك، هذا يعني أنه يحترم رأيك ويأخذه محمل الجد.

 أدب الاختلاف في الإسلام، هو كتاب رائع للدكتور طه جابر العلواني وبإمكانكم تحميله مجانا من خلال هذا الرابط، فيه تأصيل لمنهج الصحابة رضوان الله عليهم مع الإختلاف:

1- كان الصحابة رضوان الله عليهم يحاولون الا يختلفوا ما أمكن فلم يكونوا يكثرون من المسائل والتفريعات. بل يعالجون ما يقع من النوازل في ظلال هدي الرسول صلى الله عليه وسلم ومعالجة الامر الواقع عادة لا تتتيح فرصة كبيرة للجدل فضلا عن التنازع والشقاق.
2- اذا وقع الاختلاف رغم محاولات تحاشيه سارعوا في ردّ الامر المختلف فيه الى كتاب الله والى رسوله صلى الله عليه وسلم وسرعان ما يرتفع الخلاف.
3- سرعة خضوعهم والتزامهم بحكم الله ورسوله وتسليمهم التام الكامل به.
4- تصويب رسول الله صلى الله عليه وسلم للمختلفين في كثير من الامور التي تحتمل التأويل، ولدى كل منهم شعور بأن ما ذهب اليه اخوه يحتمل الصواب كالذي يراه لنفسه، وهذا الشعور كفيل بالحفاظ على احترام كل من المختلفين لأخيه، والبعد عن التعصب للرأي.
5- الالتزام بالتقوى وتجنب الهوى، وذلك من شأنه ان يجعل الحقيقة وحدها هدف المختلفين حيث لا يهم أي منهما ان تظهر الحقيقة على لسان او على لسان اخيه.
6- التزامهم بآداب الاسلام من انتقاء اطايب الكلم وتجنب الالفاظ الجارحة بين المختلفين مع حسن استماع كل منهما للآخر،
7- تنزههم عن المماراة ما أمكن وبذلهم اقصى انواع الجهد في موضوع البحث مما يعطي لرأي كل من المختلفين صفة الجد والاحترام من الطرف الآخر ويدفع المخالف لقلوبه او محاولة تقديم الرأي الافضل منن.

الرسم التالي يوضح ملخص لمنهجية الصحابة في الإختلاف، وإن جعلناه نبراسا لنا، سنجد أننا نختلف أقل وننتج أكثر.

Presentation1

من جهة أخرى، عندما يتحول النقاش من إختلاف في الرأي، إلى عراك فكري، فأنت أمام خيارات:

1- إيقاف الحوار

2- ترك المجلس

3- الدخول في العراك الفكري، وماتبعه من نتائج

4- الصبر ومحاولة الإقناع

بالنسبة للخيار الرابع، فالأمر يعود إلى تقديرك، هل المُحاوَر أو الهدف من حوارك يستحق الصبر على مشقته؟ والخيار الثالث ضد ماتدعوا إليه شريعتنا حيث يقول تعالى “وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ“. وقد علمتني الحياة، أن ” أشتري دماغي” من يحول النقاش الهادف إلى عراك فكري أو يقوم بشخصنة الموضوع، فبدل أن يتحدث في لب الموضوع، تجده يتحدث عنك أنت، الأفضل لك أن لا تجالسهم أو تحادثهم، وذلك حتى تختزن قواك ومجهودك لما فيه إنتاجية وفائدة. لان في ذلك إضاعة كبيرة لوقتك ووقت من حولك، وأنت محاسب على وقتك وعلى ماتقول، من باب أولى أن يسد الإنسان تلك الذريعة.

البعض قد يتفق معي، والبعض قد يختلف معي، وهذا طبيعي ومطالب وجيد. ولكن لنبتعد عن مطالبة الناس بالصبر على العراك الفكري الغير مجدي، وأيضا لنبتعد عن تحويل النقاشات من لبها إلى الأشخاص والذم فيهم، فتلك ليست أخلاقنا كمسلمين. وكون الإختلاف فن، فهو بالتالي خاضع لمذاقات الناس،فكل الفنون لها متذوقوها، فلنربي أنفسنا على تذوق هذا الفن والإستمتاع به، لأنه محوري لمستقبلنا ومستقبل ابنائنا.